العيني
113
عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان
الروم ، وخرج من حلب في اليوم الرابع من جمادى الآخرة ووصل إلى قلعة الروم ونازلها في العشر الأول من جمادى الآخرة ، ونصب عليها المناجيق ، وهي ثلاثة وعشرون منجنيقا ، أحديها عند الدهليز الشريف ، والأخرى فوق جبل يسامت القلعة المذكورة وعنده الملك المظفر صاحب حماة ، وكان كلما رمى الحجر فأصاب ضربت كوساته وفعرت بوقاته ، والأخرى عند علم الدين سنجر الشجاعي نائب دمشق ، وكان ترتيب الرمي بهذه المناجيق أن كل أمير من الأمراء يرمى يوما وليلة ، والأمير علم الدين الشجاعي أقام برجا من خشب تعلوه قبة ولبده كله وحصنه من يمينه وشماله ، وعمل في داخلهم الرجالة فصاروا يقاتلون من داخله ، وأقام العسكر عليها عشرين يوما ، ولم ينل السلطان منها طائلا ، وكان لا يصل إليها غير منجنيق واحد ، فكان حجره يصل إلى السور ، فإذا دق فيه يفتت حجره ، وأجمع الأمراء على أن يزحفوا ويوصلوا النقابين إلى السور ، فركب السلطان بنفسه والأمراء ، وتكفل نائب الشام ونائب حلب بالنقابين ، وكانوا نحوا من ثمانين حجارا بالمعاول ، ودخلوا في الزحافات ، وزحف العسكر جميعه ، وكان يوما عظيما ، وكان في القلعة رجال لا يعرفون شيء غير القتال ، فقاتلوا في ذلك اليوم قتالا عظيما ، ونال المسلمين منهم شيء عظيم . قال صاحب نزهة الناظر : بلغني عن الشجاعي أنه قتل له في ذلك اليوم ثلاث رؤوس من الخيل ، وجرحت جماعة كثيرة من مماليكه ، وكذلك نائب حلب ، وتفرقت الأمراء والأكابر حول القلعة ، ورموا بسهام كثيرة حتى أشغلوهم عن جهة النقابين ، وما برحوا إلى أن أوصلوهم إلى الأسوار وملكوها ، وشرعت النقابون بالمعاول فيها فلم تؤثر المعاول في الحجر شيئا ، ووجد المسلمون من ذلك مشقة كثيرة ، ولما ضايق المسلمون عليهم اجتهدوا اجتهادا عظيما .